ساسي سالم الحاج

39

نقد الخطاب الاستشراقي

دعوتهم . يضاف إلى ذلك ما يمتاز به أولئك المبشرون من تحمل للمشاق والصعاب ، وقوة الصبر والتحمل حيث توغلوا إلى مواقع نائية من الجزيرة العربية وعاشوا بين البدو يقاسمونهم شظف عيشهم وقسوته ، واقتبسوا منهم طريقة حياتهم وشاركوهم في سكنى الخيام حتى أطلق عليهم « أساقفة الخيام » « 1 » . كما تنصرت العديد من القبائل العربية كتغلب وسليم وغسان ووصلت النصرانية إلى نجران بأعالي اليمن عن طريق الراهب « كحيمون بن أرتكياس » الذي حصلت في أواخر أيامه مذبحة أصحاب الأخدود من قبل الملك اليمني الذي كان يعتنق الدين اليهودي ألا وهو « ذو نواس » « 2 » . واستمرت المسيحية بمذاهبها المختلفة منتشرة في الجزيرة العربية حتى ظهور الإسلام الذي كان له معها شأن وأي شأن ، ومن هنا كانت بداية العلاقة بين المسيحية والإسلام . وسترينا الصفحات المقبلة كيفية تطور العلاقة بينهما من مناظرة بالفكر واللسان حتى تحولت إلى الحرب والطعان ، وعندما فشل الحل العسكري لإنهاء المسألة الإسلامية حاول النصارى القضاء عليه باستخدام السلاح الفكري وهو بداية مرحلة الاستشراق الديني . لم نتعرض في الصفحات الماضية إلى العلاقة بين اليهودية والإسلام ، لأن الصراع الفكري الذي اندلع بينهما في المدينة انتهى إلى صراع عسكري خرج بموجبه اليهود من الجزيرة العربية ، ثم انضووا تحت لواء الإمبراطورية الإسلامية ، يعيشون في جو من التسامح والهدوء قل أن وجد له نظير في تاريخهم الطويل إبان عهود التشتت والضياع . بل إننا نرى علماء اليهود وقد ساهموا كثيرا في إبراز الحضارة الإسلامية وكانوا من المترجمين الذين نقلوا الحضارة الإسلامية إلى الغرب الأوروبي الذي بنى عليها حضارته الحديثة ، ولم يشهد التاريخ منذ إخراج اليهود من الجزيرة العربية أي صراع فكري بينهما لعدة قرون حتى برز في عصرنا الحاضر بوجهه البشع والذي تمثل في قيام دولة إسرائيل بفلسطين وما أعقبه من صراع أيديولوجي وعقائدي واستيطاني ما زلنا نشهد آثاره ، ونعيش تحت ظلاله إلى يومنا هذا . إن المسيحية خلافا لليهودية ، قد واجهت الإسلام في عديد من المواطن ،

--> ( 1 ) د . جواد علي ، المرجع السابق الجزء السادس ، ص 588 . ( 2 ) الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، الجزء الثاني ، ص 120 وما بعدها ، دار المعارف .